:: رابطة الاقصر | بوابات الاقصر | الاقصر الآن ::
 
 
 

2012/06/20

عرائس السكر- عزة شرقاوى
 

عرائس السكر

الحضارة تنطلق من الجذور وتتسرب لتنفذ إلى كل طلع إلى الورقة والزهرة والبرعم ومن خلية إلى أخرى وكأنها دم أخضر , ولكن الحضارة التي تنصب على البشر من فوقهم من أعلى لا تلبث أن تنعقد كما ينعقد السكر الرطب وهكذا يصبحون مثل عرائس السكر, وعندما يبللهم بعض رذاذ من المطر الواهب للحياة فإنهم يتلاشون يذوبون في خليط لزج)

أبدأ حديثى بهذه العبارة للمعمارى والكاتب المصرى حسن فتحى فيلسوف العمارة ومهندس الفقراءفى كتابه عمارة الفقراء

فهل الشعب المصرى قابل للتحول الى هذا الخليط اللزح ؟ وهل حضارة 5000 سنة قابلة للانصهار فى حضارات باهتة لا أساس لها فى ظل أصوات تدعى أن مصر قابلة للانصهار فى المد الشيعى الايرانى وهى التى حاربت كثيراً أفكاراً مستوردة طيلة سنين عديدة .

ان الهوية هي نتاج بناء متراكم عبر السنين،من عناصر جغرافية وثقافية وعرقية ودينية وغيرها، وأن هوية مصر هى هوية تراكمية معتدلةوانى لاستغرب ممن يشككون فى هوية الشعب الصرى وتأثرها بالاتجاهات العلمانية والحداثية  الغربيةالتى تتحرر من الدين

وفى المقابل تشككات العلمانيين من المد الوهابى وسيطرة الاسلاميين على الحكم ونسى هؤلاء أن الاسلام دين الوسطية والاعتدال  وان الدعاوى الوهابية ما هى الا الفاظ لا وجود لها فى قاموس الهوية المصرية  و ان كانت الافكار الوهابية تتحدث عن اطلاق اللحية وارتداء النقاب  وهى حريات شخصية لا علاقة لها بالأفكار-الا انها تتحدث كذلك عن أفكار لا وجود لها  فى المجتمع المصرى ومنها منع شد الرحال للمساجد (أي السفر لزيارة قبر الرسول (صلى الله عليه وآله) أو الصحابة أو أمهات المؤمنين أو غيرهم).

وفى الأربعينيات ظهرت العديد من الشخصيات النسائية من دافعن عن حق المرأة في الحياة بدون حجاب وقد كان الحجاب الشائع  فى هذه الايام هو النقاب  ومنهن سهير القلماوي ودرية شفيق وأمينة السعيد. ولكن هؤلاء الكاتبات لم يتمكن من الوصول الى نقطة الوسطية التى توصل لها الجيل الجديد من النساء من زى يحفظ للمرأة احتشامها وفى نفس الوقت لا يمنعها من التفاعل مع المجتمع فى كل المجالات

لم يتزايد ظهور الحجاب فى فترة السبعينيات بسبب دعم السادات للجماعات الاسلاميةكما يدعى البعض ولكن  لوجود دعاه لهم ثقلهم وتأثيرهم على الشعب المصرى مثل الشيخ الشعراوى . وهو مافطن اليه نظام مبارك فاضطر الى أقصاءأى  داعيه لا يسبح بحمده وله تأثير جماهيرى على الشعب.  ولكن ظهور الفضائيات والتكنولوجيا الحديثة التى كانت أساساً لثورة الشعب عليه كانت هى كذلك الأساس لحصول هؤلاء الدعاه على جماهيرية كبيرة بين الشعب المصرى .

 

 

لقد خرج علينا وزير الثقافة المصري فى عهد مبارك الذى احتكر الثقافة المصرية لسنوات طويلة فاروق حسني ليعلن رأيه في الحجاب الذي وصفه بأنه عودة الى الوراء، ولكنه كان الأجرأ في التعبير عن رأيه والمجاهرة به هذا

أمام اراء كثيرة غير معلنة من مثقفين ومسئولين تناسوا أن الشعب المصرى هو شعب متدين بطبعه تحكمه عادات وتقاليد تراها فى القرية المصرية التى تلبس فيها السيدة القبطية الطرحة على رأسها من قبيل الاحتشام فلا يوجد أى تنافر ما بين العادات المصرية والزى الحجابى المعتدل الذى يعتبر هو الغالب على زى المرأة فى مصر

 

لقد عانينا كثيراً من هذا النظام الفاشل  الذى كان  من أساسياته الابتعاد عن واقع الشعب المصرى سياسيا واجتماعبا وثقافيا ودينيا من خلال اقصاء العديد من  العلماء والسياسيين والدعاه ومنع ظهور المحجبات فى وسائل الاعلام المصرية وهم من يتحدثون عن الحريات ,وها هى الأصوات المتطرفة تدّعى بجرأة غربية أن الحجاب غيرمفروض شرعاً فى محاولة خبيثة للخلط بين الحجاب والنقاب _وتعتبره نوع من التخلف والرجعبة وأنه كان سبباً أساسياً فى تخلف المرأة فى مصر . لم يستوعب هؤلاء الدرس ولم يدركوا أنهم بآرائهم المتطرفة يصنعون جدرانا و حواجز أسمنتيه بينهم وبين غالبية الشعب .فى نفس الوقت التى تنادى فيه كل المنابر الاسلامية  المعتدلة باحترام المحجبة وغير المحجبة وعدم التدخل فى الحريات الشخصية وسرعان ما استعدت هذه الاراء لاشهار أسلحتها فهى تستغرب وتنتقد وجود رئيس مصرى تلتزم زوجته بالزى الشرعى. فأين هى الحرية التى يدعيها هؤلاء متناسين قضايا هامة وحساسة عاشت فيها المرأة والرجل على السواء من خلال مشروعات وهمية باهتة زادت الأمية على أميتها والفقر على فقره والمرض على مرضه

. ان مصر بأزهرها وكنيستها بمسلميها وأقباطها مصر الفرعونية والقبطية والاسلامية ستظل شامخة شموخ الأهرامات وراسخة رسوخ أعمدة الكرنك ولن تتحول حضارتنا الفريدة الى عرائس سكر لزجة

التعلقيات

يجب تسجيل الدخول أولا حتي تتمكن من التعليق

تسجيل دخول || للتسجيل اضغط هنا

العودة الى البوابة